أرى نفسي فيها .. هدى

يمنات
توفيق القدسي
في أحد أيام صيف 2011، قبل الظهر بقليل، كنت أمشي وسط خيام ثورة الشباب السلمية ( ذلك الفخ الذي أوصل اليمن إلى ما نحن فيه اليوم ) عند بوابة جامعة صنعاء. كان الجو خانقاً، والشمس فوق الرؤوس مباشرة، لكن لم يكن الحر أكثر ما يرهقني وقتها.
قبلها بقرابة ثلاثةأشهر ، فقدت أختي (هدى)، الأقرب إلى قلبي، ولم يكن قبرها قد جف بعد. وفي القرية، كانت زوجتي في أشهرها الأخيرة من الحمل، تنتظر الولادة في أي لحظة
وبينما كنت غارقاً في ذلك التيه، رن هاتفي. كانت أول كلمة سمعتها: (مبروك… رزقت ببنت).
توقفت قليلاً وحمدت الله، ثم جلست بجانب أحد المحلات، أبتسم وحدي وأتخيل ملامح طفلتي.
حينها عادت أختي (هدى) إلى ذاكرتي فجأة؛ أختي التي رحلت في عز شبابها وتركت في داخلي فراغاً لا يملؤه أحد. إتصلت بأمي، وقلت لها إنني أريد أن أسمي مولودتي الجديدة بإسم أختي (هدى).
بعدها ذهبت إلى السوق، واشتريت ملابس لها ولأختها (هند) حبيبة قلبي وفرحتي الأولى، التي كانت تكبرها بأربع سنوات. وحين سنحت لي الفرصة، سافرت إلى القرية.
وصلت قبيل المغرب بقليل. كانت زوجتي في القرية المجاورة حانقة في بيت أهلها، ولم أستطع زيارتها، ولم أحظَ برؤية إبنتي الصغيرة هدى إلا بعد أسبوع، بعد أن أرجعوها هي وأمها إلى بيتنا. إستقبلت بنتي بحرارة وضممتها إلى صدري، وشعرت بسعادة غامرة.
كنت أرغب في أن أعيش مع أسرتي في مكان عملي بصنعاء، لكن أمي، حين إختارت لي زوجتي، كانت قد عاهدتها مسبقاً أن تبقى معها في القرية لتساعدها في شؤون البيت والأرض حتى يتوفاها الله بعد عمر طويل. لذلك ظللت أتنقل بين صنعاء وتعز قرابة أربعة عشر عاماً، أعيش على هذا الحال؛ أوفر لأسرتي كل ما أستطيع، وأقاوم ذلك الشعور الدائم بأن جزءاً مني يعيش بعيداً عني.
في بداية عام 2020، طلعت زوجتي إلى صنعاء مع ابنتي الصغيرة هدى من أجل العلاج كالعادة للحمل ، أما هند فكانت تعيش معي منذ طفولتها مع عمّتها، أختي. وبعد عام من العلاج عادت زوجتي إلى القرية، بينما بقيت هدى معي. كانت حينها قد إنتقلت للصف الخامس ، بعد أن ألحقتها بإحدى المدارس الخاصة، وواصلت دراستها فيها حتى الصف الثامن.
كانت متفوقة وشغوفة بالدراسة، ومليئة بالحياة والحركة، وتحصد الترتيب الأول على مستوى المديرية. كنت أتأملها كثيراً، وأشعر أنني أرى نفسي فيها، ليس في الملامح فحسب، بل حتى في التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه لها أحد: ضحكتي، عنادي، وابتسامتي.
كنا نعيش حياة بسيطة وهادئة. أذهب صباحاً إلى عملي في كلية التجارة بجامعة صنعاء، ثم أعود قرابة الثانية بعد الظهر لأقضي بقية يومي معها ومع أختها ، محاولاً أن أعوضها عن سنوات الغياب. كنت آخذها أحياناً إلى الحدائق، وأحياناً أخرى إلى المطاعم، وأشتري لها ولأختها ما أستطيع من ملابس واحتياجات أخرى.
مع مرور الوقت و تراكم بعض المشاكل العائلية بعد ذهاب زوجتي إلى بيت أهلها، وبدأت تلك المشاكل تؤثر في إستقراري مع بناتي .. وبتآمر ومساعدة الولد الأكبر لأمي وأبي الذي قام بتسفيرهن للبلاد غصب عني ودون إرادتي فانتقلين البنات للعيش مع أمهن في بيت أهلها بعد أن ساعد كما ذكرنا سابقاً ( غُراب البيت ) في إعادتهن إلى القرية. وهكذا عادت هدى غصباً عنها للقرية تلك الطفلة المسكينة التي وقعت ضحية تآمر أمراض النفوس وأختها هند إلى مدرستهما هناك في جبال (قدس) جنوب تعز.
ومع الضغط والتعب والقلق المستمر، بدأت صحتي تتراجع شيئاً فشيئا، حتى أصبت قبل خمسة أشهر بجلطة في الدماغ كانت من أصعب اللحظات التي مررت بها في حياتي. شعرت وقتها أن الإنسان قد يسقط فجأة دون أي مقدمات، لكن الله سلم؛ فقد تم إسعافي في الوقت المناسب، ونجوت منها، وما زلت حتى اليوم أستخدم العلاج بشكل يومي.
بين كل هذا الألم، تواصلت معي أمس حبيبة قلبي، إبنتي الغالية هدى، وأخبرتني أنها حصلت على الترتيب الثالث في الصف الأول الثانوي، بعد أن كانت وهي عندي تحصد الترتيب الأول على مستوى المديرية بصنعاء. لم أستطع وصف حجم سعادتي وأنا أسمع هذا الخبر، الحمد لله؛ فبرغم الظروف الصعبة وقسوة الحياة في الريف، وفي مدرسة حكومية تزداد فيها حدة التنافس، إلا أنها تغلبت على كل تلك الظروف، وحصلت على هذا التفوق بمجهودها. لم تخيب ظني بها أبدا.
وما يؤلمني أكثر أن هدى عانت كثيراً وهي في القرية أيام طفولتها، وحين عاشت معي خلال السنوات الأربع الماضية بدأت تشعر بشيء من الإستقرار، لكنها أُجبرت على العودة إلى القرية من جديد بمساعدة أخي الأكبر، فتشتت ظروفها، ومع ذلك لم تتوقف عن الإجتهاد والسعي نحو التميز، بل واصلت طريقها بإصرار رغم كل ما مرت به من ظروف قاسية.
بناتي الرائعات، يا فلذة كبدي، سأبذل قصارى جهدي لتحقيق طموحاتكن، وأن أكون إلى جانبكن في كل تفاصيل حياتكن.
ما أقسى الحياة حين تكون بعيداً عن أسرتك، محروما من مشاركتهم لحظاتهم الجميلة. ما أتمناه هو أن تعود بناتي إليّ، وأن أعيش معهن، وأشاركهن تفاصيل حياتهن، وأستيقظ كل صباح وهن بجانبي في نفس البيت، أراهن وأطمئن عليهن وأشعر بقربهن.
وأدعو القراء، وبالأخص الآباء، أن يتخيلوا هذا الشعور، شعور الأب الذي يُحرم من بناته بسبب ظروف أو أذى من أعداء النجاح أو تباعد فرضته أمراض النفوس، وأن يضعوا أنفسهم مكانه، ليدركوا حجم الألم الذي يعيشه حين يُنتزع منه هذا القرب.